Saturday, August 04, 2007
الهواء ينطلق في مصر الجديدة

استشاط غضبا ، و لعنهم الى يوم القيامة ، و قال بصوت كالرعد ، يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق و النفاق ، عليكم اللعنة ، سأحبس عنكم الهواء بإذن الله ، ثم أخرج قربتين ، و أمر الريح فدخلت في القربتين ، و احكم اغلاقهما ، و ابقاهما في مكان أمين.

طوال الأسبوعين الماضيين ظل المصريون يتضرعون الى المرسي أيو العباس و الشيخ أبو النور ، و الشيخ محمد عبد الله ، طالبين التوسط ، طالبين الرحمة ، الهواء واقف ، و الأنفاس مضطربة و الحر قتل الجميع ، و أثار الأحقاد و الغضب ، فخاطب الأبن امه معنفا اياها ، و هي عرت رأسها و صبت الدعوات عليه ، و اختنق الناس بالرطوبة ، حتى أصبحوا يتنفسون ماء .

ثم دعا بعضهم الحسين ، العالمين منهم ببواطن الامور ، طالبين الفرج ، مذكرينه بالقرتبين ، اللتان علقهما والده بين السماوات ، ربما يحن الحسين عليهم و يفتحهما ، او على الأقل احداهما ، فهش الحسين و بش ، و أشار بيده ، فاستدارت احداهما بأمر الله ، و انفتحت ، فانطلقت الريح بأمر الله على بر مصر ، عليلة بارده ، بلا رطوبة أو جزيئات ماء عالقه ، فسارت بلطف على الوجوه و في الصدور ، و اصطدمت في ميدان سانت فاتيما سيارتان ، فنزل الشاب من سيارته معتذرا بأدب ، فابتسمت الفتاه في هدوء و قالت حصل خير ، و ناولها الشاب رقم هاتفه ، طالبا منها الاتصال به للاتفاق على تصليح ما افسده من سيارتها ، فأخذت الفتاه الرقم شاكره ، و هي تفكر في سهام صديقتها المتزوجة حديثا.

أمشي في ميدان سفير ، جلدي يرتعش بنفحات الهواء البارده ، كأننا في أول الشتاء ، الشوارع ليست مزدحمة كالعادة ، كوداك سفير مزدحم ، فتاة في فستان الزفاف تدخل ربما لتسجل الذكرى ، أرفع رأسي فأرى بيوتا جميلة ، انيقة صغيره ، كأنها خرجت من مجلة اطفال ، أدهش كثيرا ، كيف لم الاحظها إلا اليوم؟ أقول ربما اسكن في احداها يوما ، الأغبياء يتكالبون على الشقق الجديدة ، و يتركون هذا الجمال بحجة أنه قديم ، مش استايل ، اتفو على اللي رباكم بهايم ، أرى من خلال الشبابيك العالية سقفا بسيطا بلا نقوش ، ثريا رشيقة تتدلى من السقف ، يلمع الكريستال فيجبرني على الابتسام ، أتمنى أن اجد احدهم ، لأسأله على سعر الشقة في هذا الشارع ، سمسار أو بواب ، ربما أؤجر شقة منهم ، فقط لأجلس فيها و استمتع بالهدوء و الهواء الجميل ، الشارع خال تماما من الماره ، لا يوجد بوابين لا يوجد يفط تحمل عناونين سماسرة او أرقام هواتفهم ، أدرك أن معظم الشبابيك مظلمة ، أيضا حتى المضاء منها لا حركة بداخله ، ربما نسى الناس وجود مثل هذا الشارع في الزحام ، ربما تسكنه العفاريت الآن ، هل يعلم أحدكم سمسارا من الجن؟

أفكر في الجن ، لماذا لم نراهم حتى الآن ، و لا حتى صورة ، أبدأ في التشكيك بوجودهم ، ربما انقرضوا في عهود غابره ، حضروا عهد الرسول و انقرضوا ، أو ربما نجدهم في الحجاز فقط ، كما التماسيح لا تستطيع العيش في براغ ، ربما هم لا يعيشون في مصر الجديدة ، أسأل نفسي ما الفرق بينهم و بين العفاريت؟ بالتأكيد إذا كان الجن موجودون فعلا ، فالعفاريت موجودون أيضا ، ربما هم أولاد عمومه ، أو فرع هاجر منذ مده و استقر في افريقيا ، خاصة في مصر .

أسير حتى كنيسة البازيليك ، أقرا الفاتحه على روح البارون امبان ، لا علم لي بتأثير الفاتحه عليه ، ربما تكون سندا له في قبره الرخامي ، ارفع رأسي لأتامل قبة الكنيسة الخلفية ، حتى الكنائس أفسدوها في أيامنا هذه ، يبنون هياكل ضخمة من الخرسانة ، ربما تحسبا لثورة المسلمين على الأقباط في مصر ، يستعدون و يهيؤون حصونا لهم ، و يعتقدون أن الخرسانة ستعيش أكثر ، مبنى صلب قوي ، لا يتظرون أبدا الى كنائس ايطاليا القديمة ، حيث الأبراج مبنية ، طوبة فوق طوبة ، لو أخبرت مهندسا بذلك الان لسخر منك ، لا نعرف اليوم الا الخرسانة و الأسمنت ، أما كنائس روما و الفاتيكان ، فمرفوعة على أجنحة الملائكة .

فوق القبة أرى هيكلا صغيرا ، شخصا يرتدي زيا أزرقا ، زي سابغ ، يغطيه من رأسه حتى قدميه ، ، يقف بهدوء فوق القبة ، يمسك بعصا ، ربما ينظف سطع القبة ، ادرك ان الشخص فتاه ، ربما سيده كبيره في السن ، ربما تستند على عصاها ، تخاف الوقوع أرضا من العلو الشاهق ، تمد ذراعها و تمر به على الفضاء أمامها ، لفحة الهواء البارد تسكرني ، يقشعر ظهري و ذراعاي ، تختفي السيده فجأه من فوق القبة ، ابحث بعيني عنها فلا أرى شيئا ، أستمر في المشي حتى المريلاند ، البارون امبان بنى مصر الجديده ، لتصبح الكنيسه على يمينه ، و مضمار سباق الخيل في مواجهته ، اليوم حولته شركته المأممة الى مقاهي و مطاعم ، مساهمة مع الجميع في تعذيبه في قبره .

أتساءل الآن عن مصير القربة الأخرى ، ربما فتحتها السيده العذراء فوق كنيسة البازيليك .


posted by ربيع @ 8/04/2007 09:57:00 PM  
11 Comments:
  • At 12:38 AM, Blogger جوستيـن said…

    جميل
    والاجمل اني اول تعلق

     
  • At 12:45 AM, Blogger ahmad said…

    يا ربيع
    احترس ، المنطقة دي ملعونة ، و بتلحس النافوخ ، اسألني أنا ، عندي تليفونات أغلب سماسرة المنطقة ، و مش من الجن و لا حاجة .غالبا من الصعيد ، راسلني ع الإيميل و ابعتلك حسب طلبك
    تحية

     
  • At 12:50 AM, Blogger ربيع said…

    اهلا و سهلا
    اوعى تكون ساكن هناك!
    يا عم قول على الملأ عشان الفايده تعم ، و بعدين اصغر شقة هاتلاقيها معدية التلتميت الف ، ابقى قابلني يعني

     
  • At 7:09 PM, Blogger ألِف said…

    بسطتني.

    أنا كمان حسيت بنفحات خريفية امبارح.

    الشيخ أبوالنور ولي هليوبولسي أصيل، زيه زي البارون إمبان كرم الله وجهه و خسف مباني من أزعجه في رقاده.

    من يومين كنت بفكر أن البوابين أحد الموبقات الاجتماعية في مدننا. مش عشان هم وحشين، لكن عشان الظروف غير الطبيعية ال بيعيشوا فيها و دورهم غير الطبيعي في وسط الناس ال المفروض أنهم بيخدموهم.

    بيقول لك: "...قال له عفريت من الجن أنا آتيك به..." إلى آخر الآية. "العفريت" وصف للماهر الداهية من الجن أو الإنس. زي كدا ما "الشيطان" وصف للضال من الجن و الإنس، الذين شطنوا.

     
  • At 9:30 PM, Blogger ربيع said…

    جميل جدا يا ألف ، بصراحه ماتوقعتش حد يعرفه ، انت راجل قديم ، اللي انا فعلا عايز اعرفه ، القصر اللي في ضهره الضريح بتاع مين؟
    ايه يا عم ، هو انت بقيت بتقتبس من القران؟

     
  • At 7:16 PM, Blogger ألِف said…

    يابني أنا طبراوي، ما أعرفوش ازاي؟ و بعدين جدا ولي كامل الأركان، بالشمعة و كله. لكن الحقيقة أنا ما أعرفش القصر بتاع مين!


    "ايه يا عم ، هو انت بقيت بتقتبس من القران؟"

    طول عمري! أنت فاكرني خواجة!

    و بعدين لما نتكلم عن "العفاريت" هاقتبس منين يعني! من تشومسكي؟

    :)

     
  • At 7:27 PM, Blogger ربيع said…

    معلش يا ألف نسيت تماما الموضوع بتاع الطبري ده ، اللي يعرف ابو النور من صحابي ، و صحابي كتير ، واحد بس ، الأفندي ده ساكن في ميدان القبة و كان في الطبري ، و بالتالي بيعدي على الضريح مرتين في اليوم

     
  • At 4:43 PM, Blogger Lone Wolf said…

    أدين للشوارع و الليل بأكثر مما أدين للمدارس و الجامعات و الكتب , جل الخبرات الحياتية و تجاربي الروحية المكونة لشخصي جرت في الأول و خلال الثاني .سكنت لفترة قصيرة قرب المكان موضع التدوينة و اضطررت أسفا لإنهاء عقد الإيجار بعد فترة قصيرة نتيجة سفريه عمل لم أكن اعلم ميعاد انتهائها ,لا زلت أذكر أولي تمشياني الليلية ما بين ميادين هليوبوليس القديمة و انفراج أساريري لإمكان عيني, أخيرا , أن تتجول في سماء القاهرة ألكبري بدون ناطحات سحاب أو كباري علوية تؤذيها و تدوس علي الروح.

    هليوبوليس القديمة تتشابه كثيرا مع حيي كليوباترا و الفراعنة السكندريين,نفس طراز "العز"القديم, طراز الطبقة الوسطي ما قبل الثورة- حين كانت مصر بلد أخري غير التي نعيش فيها,مصر متسامحة أنيقة متعددة الأعراق و الملل-حينما كان الفقر لا يعني القبح بالضرورة,قارن بمساكن أغنياء تسعينات مدينة نصر و ستعرف ماذا كنا و ماذا أصبحنا,من يصدق أن الكورية كانت في الأساس مساكن لعمال شركة مصر الجديدة.

    لازالت هليوبوليس القديمة المكان المفضل لتمشاتي في القاهرة(بالطبع للقاهرة الإسلامية طبع أخر) حيث أنها إلي اليوم-علي عكس القاهرة الإسماعيلية(التي تحظي بنصيب لا يقل من حبي هي الأخرى) -لازالت تحتفظ بشيء من رونقها القديم. للتمشيات الصباحية في الكورية طعم مختلف, لا زال بإمكانك رؤية نسبة معقولة من السيدات غير المحجبات الواني يتناولن إفطار يليه تمشية ممتعة تحت شمس نوفمبرية,لازال يمكنك أيضا أن تري الترام يتهادي ببطء غير عابئ بإيقاع المدينة الضاغط علي أعصابك مليئا بالأطفال الذاهبين إلي مدارسهم ,أزواج من المحبين المسنين يشترون خبزا من بقالان و مخابز استطاعت بمعجزة ما الحفاظ علي مستواها و طابعها لما يزيد عن خمسين عاما, حالة مغايرة و متحدية (بلا مبالغة) لواقع قبيح و نمط حياة يستهلكنا طوال الوقت و يقتلنا ببطء ,في حي وسط الإسكندرية مازالت هناك بقايا مماثلة للكوزموبوليتانية ,الشيء الوحيد الزائد في رشدي و سيدي جابر و كليوباترا هو الورد الأصفر النامي علي شريط الترام و الأحجار القديمة المكونة للسور المحيط بة.

    منذ ما يربو عن عام و نصف, وأثناء مراجعة لكل ثواب حياتي التي التي أهزت لأسباب لا مجا لذكرها الآن نزلت من الحافلة في ميدان التحرير و أنا في قاع منحناي النفسي بادئا تمشية بلا هدف قاطعا عابدين فا العتبة و باب الخلق ألي السيدة زينب عابرا الكوبري ألي المنيل فا الجامعة ثم الدقي القديمة. تمشية دامت بضع ساعات راجعت و ناقشت خلالها كل ما كنت أهرب من قولة و مناقشته مع ذاتي لشهور. لا زلت إلي اليوم ممتنا لباحة قصر عابدين و لكل تفاصيل المباني و الشوارع و لكل كائنات الليل , من منحوني انفراجة نفسية كنت طواقا أليها و أعادوا ألي ثوابت كنت شككت في صحتها.

    عددت كل تفاصيل و كائنات الليل صديقة محترفي التمشية الليلية فوجدت ردي قد تجاوز الحد, خزنت ما كتبت في ملف وورد ربما يكون مشروعا لتدوينه مستقبلية.

     
  • At 11:52 AM, Blogger توتة توتة said…

    حلوه اللفه دي

    سارة صورتها من غير ما تعرفها ممكن اروح معاها تاني نشوفها بتمعن

     
  • At 12:33 PM, Blogger wegdan said…

    القصر اللى فى ضهرة الضريح يبقى قصر الدكتور عبد المنعم رياض اللى منكم دخل كلية التجارة او معهد التعاون هيكون سمع بية
    تحياتى
    وجدان

     
  • At 12:35 PM, Blogger wegdan said…

    اسف اقصد عبد المنعم راضى
    تحياتى
    وجدان

     
Post a Comment
<< Home
 
 
عن شخصي المتعالي
مدونات
روابط
كتب
أخبار
Free Blogger Templates
© SprinG
eXTReMe Tracker